ابن قيم الجوزية
110
شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية
رزق على يد عبده ورسوله * نوعان أيضا ذا معروفان رزق القلوب العلم والإيمان * والرزق المعد لهذه الأبدان هذا هو الرزق الحلال وربنا * رزاقه والفضل للمنان والثاني سوق القوت للأعضاء في * تلك المجاري سوقه بوزان هذا يكون من الحلال كما يكو * ن من الحرام كلاهما رزقان واللّه رازقه بهذا الاعتبا * ر وليس بالإطلاق دون بيان الشرح : ومن أسمائه سبحانه ( الرزّاق ) وهو مبالغة من رازق للدلالة على الكثرة مأخوذ من الرزق : بفتح الراء الذي هو المصدر . وأما الرزق بكسرها فهو اسم لنفس الشيء الذي يرزق اللّه به العبد . فمعنى الرزاق الكثير الرزق لعباده الذي لا تنقطع عنهم أمداده وفواضله طرفة عين ، والرزق كالخلق صفة من صفات الفعل ، وهو شأن من شؤون ربوبيته عز وجل ، لا يصح أن ينسب إلى غيره ، فلا يسمى غيره رازقا ، كما لا يسمى خالقا ، قال تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [ الروم : 40 ] فالأرزاق كلها بيد اللّه وحده ، فهو خالق الأرزاق والمرتزقة وموصلها إليهم وخالق أسباب التمتع بها ، فالواجب نسبتها إليه وحده وشكره عليها فهو موليها وواهبها . ورزقه تعالى لعباده نوعان : عام وخاص . فالعام : إيصاله لجميع خلقه كل ما يحتاجون إليه في معاشهم وقيامهم فيسهل لهم سبيل الأرزاق ويدبرها في أجسامهم ويسوق إلى كل عضو صغير وكبير ما يحتاجه من القوت ، فهذا عام للبر أو الفاجر ، والمسلم والكافر بل للإنس والجن ، والحيوانات كلها . وهذا الرزق قد يكون من الحلال الذي لا تبعة على العبد فيه ، وقد يكون من الحرام ، ولكنه يسمى رزقا بهذا الاعتبار الذي هو سوقه للأعضاء وهدايتها لامتصاصه والانتفاع به ، فيصح أن يقال : رزقه اللّه بهذا الاعتبار سواء ارتزق من حلال أم من حرام . وهذا يقال له مطلق الرزق .